الندم بين ميزان التقوى وفزع "الذباب" .. في مسرحية لسارتر

تعد كتابات الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905 – 1980) مرجعًا أخلاقيًا يساعد الإنسان على فهم طبيعته ومعرفة سبب وجوده في الحياة، ويظهر في العديد من كتاباته اهتمامه

 تعد كتابات الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905 – 1980) مرجعًا أخلاقيًا يساعد الإنسان على فهم طبيعته ومعرفة سبب وجوده في الحياة، ويظهر في العديد من كتاباته اهتمامه ببلده فرنسا وما يدور بها من حالات حرب وعدم استقرار سياسي وهو ما يعتقده مؤثرًا في المقام الأول على الفرد الذي يعيق حياته ويوجه مصيره للأسوأ، ولذلك فالحياة تتميز عندما يتميز الإنسان ، كيفما خلقه الله، بإدراكه أنه صاحب ولاية على الأرض تتحدد تاريخها بتاريخ تحديده لمصيره بنفسه.

إختار سارتر في مسرحيته “ Les Mouches” أو "الذباب" والتي كتبها عام 1943 أن تكون الأحداث مقتبسة من أسطورة يونانية قديمة مرتبطة بتبعات مقتل الملك أجامننون وإنتقام ابناءه له، متأثرًا بانتصار النازي الألماني على بلده فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية ، جاء اختيار أجواء الأساطير اليونانية لما بها من تخبط في الأفكار الدينية لتعدد الآلهة في ذلك الوقت المصنوعة من الخشب والتمسك بعادات وقيود ليس لها علاقة بالدين الصحيح والتي تعيق بدورها حرية الفرد التي وهبها الله العادل الحق للإنسان.

وكما فعل النازي الظالم بفرنسا سالبًا إرادة الشعب وشجاعتهم وجد سارتر في الأسطورة ملك آرجوس (قاتل أجاممنون ومغتصب العرش) محاولاته أيضا في إنهاك إرادة شعبه بتقييدهم بطقوس عجيبة كل عام تربطهم بالموتى طول الوقت لا يملكون حق الإختيار يعيشون كالأموات بلا عمل أو أمل، تسيطر على المدينة أجواء من الكآبة وطنين العديد من الذباب والذي كان في المسرحية رمزًا للخطايا التي تحيط المدينة ووهم الذنوب المعرقل لحرية أهلها.

الإرادة الجماعية "أوريست أو الشعب"

عاد أوريست (إبن أجاممنون) من منفاه إلى موطنه ليرى أجواء من الفراغ والعدم داخل المدينة ف شعبها فاقد للإرادة لا يقوى على فعل شيء يشعرون بالندم المستمر محاطون بصور الأموات وذنوبهم ويعيشون في خزي دائم من إنسانيتهم لا يملكون إرادة بسبب طغيان الملك  الذي جعل من اليأس حالة تسود البلاد ، وعلى الرغم من تلقي أوريست قدر وافر من التعليم والإطلاع في أجواء من الحرية بعيدًا عن بلدته المظللة بظلام الأموات ولكن لم يشعر أوريست بالمسؤولية الكافية وقت إستخدامه حق الحرية؛ رأى أوريست أن خلاص شعبه الذي لا يملك حق الإختيار يكمن في الإنتقام من الملك الطاغي وأختار أوريست أن يتصرف بحرية مطلقة غير مسؤولة  مع فهم خاطئ لقانون الإنسانية "لن أعود إلا للقوانين التي أصنعها لنفسي .. ولن أتبع إلا سبيلي لأنني إنسان".

بعد مقتل الملك علم أوريست أن ما فعله هو أن تحمل الذنب وأقبل على الجريمة بمفرده، أما الحرية الحقيقية تكمن في المسؤولية الجماعية وإرادة الشعب بأكمله في التغيير ، إستعان سارتر بالقصة الشعبية الألمانية "زمار هاملن" الذي استطاع بمزماره تخليص البلدة من طاعون الفئران ولكنهم اتهموه في النهاية باستخدام السحر ، وبالنسبة لأوريست فقد وضعه سارتر في موقف الفهم الخاطئ للحرية، وعاد ليخطب في الناس أن عليهم اختيار مصيرهم بأنفسهم بعد التخلص من الذباب "وداعا يا رجالي أقبلو على الحياة فقد تجدد كل شيء هنا".

الحرية المسؤولة "إلكترا"

تتطور فلسفات سارتر متأثرة بالوجود الآلهي ولكي يتقدم الإنسان كذات مستقلة عليه الإلتزام بالناموس الأخلاقي المتعلق بالعدل والحكم وهو ما يؤكد أن على الإنسان إعمال ضميره قبل استخدام حقه الطبيعي في الحرية، أوضح سارتر من خلال أحداث المسرحية أن الندم الدامي المستمر على فعل ماض يعرقل الإنسان ويمنعه من الاستمرار فيمَ أمره الله وفي نفس الوقت على الإنسان الرجوع إلى الله في حالة الخطيئة وهو ما يعتبر ندم متوازن في إطار التقوى يجعل الإنسان يدرك أخطاءه ويتحملها أمام الله .. جاءت إلكترا (ابنة أجاممنون) لتكون رمزًا للتوزان بين الحرية المطلقة والحرية المسؤولة ، على الرغم من رغبتها في التغيير إلا إنها رفضت وبشدة جريمة أوريست في أخذ ثأر والدها واختارت الرجوع إلى الإلة في حالة من الندم الصالح والمسؤولية المتوازنة عند الخطأ.

وعلى جانب آخر جعل سارتر من شخصية إلكترا رمز لصوت الحق والقدرة على مخاطبة الشعب لإستعادة ضمائرهم ، تمتلك إلكترا الحقيقة الكاملة لتفاصيل مقتل والدها أجاممنون وكالأسطورة قررت أن تقوم بمخاطبة الناس بقوة وتواجه البشر؛ قامت بإرتداء ثوب جميل يناسب الأعياد بعيدًا عن ثياب الحداد وهى ترقص تحت الشمس محاولة إستعادة الناس لشجاعتهم "أنا إنسانة ممتلئة بالحياة .. هل من الدنس أن يكون المرء مسرورًا؟! لا أخشى موتاي ولا يعنيني موتاهم في شيء .. سعادتي تجلب الفرح لقلب أبي المتوفي وإذا أصبحت رافعة الرأس لن يفكر في لعنتي .. هناك مدن سعيدة وإنني أنظر حولكم لم أجد سوى ظلالكم .. أنتم يا خافضي الرؤوس لأمواتكم فظللتم في أماكنكم خشية إزعاجهم لو أبديتم أي حركة .. أنني أمد ذراعي كأنني رجل يستيقظ .. لا ترقصو على وقع خطاياكم .. احتلو مكاني تحت الشمس .. ارقصو للسعادة والحياة".


 	نورهان حجازي

نورهان حجازي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - بعد الحضرة

هذا الممدد بطول السجادة، كأنه اتحد بها، صار جزءاً من نسيجها، كأنه محفورٌ فيها، وكأن طوق زهورها منثورة عمداً حول...

محاكمة اليأس

علم النفس الحديث يعتبر اليأس من الشرور التى تلاحق حياة الإنسان المعاصر حول العالم فتصيبه نفسيًا وجسديًا بالأمراض الميل لتناول...

ناشر خاص يعلن إطلاق جائزة أدبية مصرية تعتمد على التبرعات

عمر قناوى: جائزة صنع الله إبراهيم لن تقل قيمتها عن مائة ألف جنيه الأكثر مبيعًا عندنا كتاب «وعليكم السلام» الصادر...

شخصيات لها تاريخ «114» أبراهام لنكولن.. قائد ثورة تحرير العبيد فى أمريكا

كان عصامياً علم نفسه وحبه للقانون جعله يقرأ كتب القانون ويحترف المحاماة ومنها عرف طريق العمل البرلمانى وترشح للرئاسة وفاز...